المثقف بين الأصالة و التغريب
علي فاهم
يقاس تطور كل شعب بما يملكه من مثقفين و بمدى فاعلية و تأثير هذه الشريحة و أتساعها في عموم الجماهير و مدى مقدرتها على تفعيل التغيير الايجابي في المجتمع , لأنها هي المعول عليها في توجيه قناعاتهم و تحييدها في أتجاه فكري معين .
و لكن السؤال الذي يطرح نفسه دائماً : من هو المثقف و ما هي سماته ؟ و على ماذا يرتكز في ثقافته و ما هي مسؤوليته ؟
هل المثقف هو المتعلم صاحب الشهادة ؟
أم هو الشخص المفكر أي الذي يستعمل عقله ’و ينتج فكراً,
مقابل الشخص الذي يستعمل الجهد الجسدي ؟
أم انه الشخص الذي يتحمل مسؤولية و هم وطنه و شعبه و يتفاعل مع قضاياه المختلفة .
طبعاً لا يمكن إطلاق صفة المثقف على كل من حصل على حصة من التعليم حتى و إن كان عالي , فنحن نرى الكثير من أصحاب الشهادات لا يستحقون صفة المثقف بأي شكل من الأشكال ,بل هم للجهالة أقرب .
أما أن نطلقه على كل من يستعمل عقله المفكر مقابل أخر يستعمل الطاقة البدنية كالأدباء و الكتاب و المترجمين و رجال الدين و المفكرين فكثير من هولاء لا نستطيع أن نشملهم بعنوان المثقف فالكثير من الشعراء الذين يعملون بعقولهم تجد أشعارهم من السخافة و الإسفاف و التبذل بمكان بحيث يكون ظلم للثقافة أن تضعهم في خانتها و هناك المترجمين الذين يترجمون كل ما يقع بأيديهم بلا فحص أو تمحيص او حتى فهم لما يترجمونه و هناك من رجال الدين و القساوسة و الرهبان من كبَل المجتمع بالخرافات و الفهم الخاطيء حتى أرداه الحضيض و الكتَاب الذين يكتبون و غايتهم المال أو الصحفيون و الإعلاميون الذين يرفعون من يعطيهم في أعنان السماء أو المسرحيون الذين يعتبرون مقياس نجاحهم في مدى كركرة الجمهور و ضحكه عليهم , أو المفكرون الذين يبثون أفكاراً تهدَم المنظومة الأخلاقية في المجتمع لا بل يمكن أدخال حتى المشعوذين و السحرة في هذا الإطار العام .و غيرها من الأمثلة التي تجعلنا لا نستطيع إطلاق صفة المثقف على كل موصوف بأنه يستعمل العقل , رغم إننا نسمي كل هولاء بأهل العقل و الفكر .
إذن من هو المثقف ؟
تعريف تايلور: (الثقافة هي ذلك المركب الكلي الذي يشتمل على المعرفة والمعتقد والفن والأدب والأخلاق والقانون والعرف والقدرات والعادات الأخرى، التي يكتسبها الإنسان بوصفه عضواً في المجتمع)
تعريف كوينسي رايت: ( الثقافة هي النمو التراكمي للتقنيات والعادات والمعتقدات لشعب من الشعوب، يعيش في حالة الاتصال المستمر بين أفراده، وينتقل هذا النمو التراكمي إلى الجيل الناشئ عن طريق الآباء وعبر العمليات التربوية)
تعريف مالينوفسكي: (الثقافة هي جهاز فعال ينتقل بالإنسان إلى وضع أفضل، وضع يواكب المشاكل والطروح الخاصة التي تواجه الإنسان في هذا المجتمع أو ذاك في بيئته وفي سياق تلبيته لحاجاته الأساسية )
مالك بن نبي يعرف الثقافة في كتابه (مشكلة الثقافة) فيقول إنها (مجموعة الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية التي تؤثر في الفرد منذ ولادته، وتصبح لا شعورياً العلاقة التي تربط سلوكه بأسلوب الحياة في الوسط الذي ولد فيه )
يقول علي شريعتي : المثقف هو ذلك الشخص الذي يتميز بوضوح الرؤية و سعة الأفق .
عند ملاحظة التعاريف السابقة نلاحظ إن للمثقف علاقة عضوية مع المجتمع و البيئة التي نشأ فيها و الأرض التي نبتت جذور معرفته فيها ,
فتعريف تايلور يربط بين عناصر الثقافة المختلفة و تركيبها في المثقف بصفته عضواً في المجتمع و هذه العضوية يفقد الكثير من مقوماتها من تغرب عن المجتمع و أبتعد عنه فكرياً , أما كوينسي رايت فيعرفها بالنمو التراكمي على شرط التواصل المستمر بين أفراد الشعب فإذا كان هناك انقطاع و أنفصال بين المثقف و الثقافة المجتمعية المتراكمة يحدث ما يشبه الفراغ و الفتور فلا يمكن أن يوصف ذلك المثقف بالأصالة لانه يفقد الترابط المفصلي بين عناصر الثقافة , و يذهب مالينوفسكي الى تعيين وظيفة المثقف عندما يرتقي في وضعه ليواكب المشاكل التي تواجه الانسان بوصفه فرد من مجتمع فان لم يكن ذلك المثقف عنصر متواصل مع هذه المشاكل حتى يواكبها من الجذور ليستوعب التفرعات و التشابكات و التداخلات و يجد لها الحلول سواء على المستوى الفردي أو الجمعي اي التي تواجه الامة فهو شخص طاريء او كالذي أخترقت مسيرته في المجتمع أنفصال فكري اغترب عن مجتمعه لا يمكن له تشخيص المشاكل لا بل يمكن ان يرى الحلول معكوسة كالطبيب الذي يكون تشخيصه للمرض خاطئاً فمهما كان العلاج منمق و وضع في عبوات جميلة فسيكون تأثيره سلبياً على صحة المريض و بدل ان يشفى سيصاب بعوارض أخرى , و يربط مالك ابن نبي القيم الثقافية بتفعيل السلوك الانساني و التاثير في معطياته الخارجية عن طريق اللاشعور و هذا اللاشعور لا يمكن له ان يأثر الا في الأشخاص الذين تعايشوا مع هذه القيم منذ الولادة و حتى النشوء ليكون التأثير الانعكاسي بالتالي من قبل المثقف في المجتمع أيجابياً متواصلاً ,
أما علي شريعتي ففي كتابه ( مسؤولية المثقف ) يرى (ان مسؤولية المثقفين اليوم يشبه دور الانبياء و الرسل فقد بعثوا من بين الناس و اليهم و كانوا يقومون بخلق مباديء جديدة و رؤى جديدة و حركة جديدة في المجتمع و هذه الحركة الثورية العظيمة التي يفجرونها و التي تجتث جذوراً و تغرس جذوراً كانت سبباً في تغيير مصير مجتمع ساكن و راكد عن طريق الرسالة النبوية . )
فاذا كانت مسؤولية المثقف هو تغيير المجتمع كان لابد ان يكون هذا الذي يسعى للتغير هو من نفس المجتمع أقصد أنتماءاً فكرياً و تطبيبياً حتى يمكنه معرفة حاجة هذا المجتمع و حجم و سعة و مقدار هذه الحاجة ,
كما ذكر القران في وصف نبي الاسلام {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} [البقرة :151
فكلمة (منكم ) تبين أنه من العرب عارف بكل الجزيئات و التفاصيل والسمات التي تميز ذلك المجتمع , أهتمامهم , مشاكلهم علاقاتهم و هو الذي قام بثورة جذرية عرف كيف يتعامل مع المجتمع حينها . و لهذا لم تكن هناك حالة أستيراد لنبي من خارج هذا الاطار . و هذا ما نحتاجه من المثقف الأصيل الذي يتحرك في نفس دائرة الهموم التي يعاني منها مجتمعه أما أن يستورد لنا علاجات لأمراض عانت منها مجتم
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ